الشيخ محمد رشيد رضا

412

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا بدء سياق طويل في وصف جزاء الكافرين باللّه وبما جاءت به رسله وجزاء المؤمنين بذلك مفصلا تفصيلا مبنيا على السياق الذي قبله ولا سيما خاتمته وهي خطاب بني آدم بالجزاء على اتباع الرسل وعدمه مجملا . قال تعالى * * * ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) أي إذا كان الامر كما ذكر في الآيات السابقة - وهو كذلك - فلا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا ما بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه أو حرم عليهم في الدين ما لم يحرمه أو عزا إلى دينه أي حكم لم ينزله على رسله ، أو كذب بآياته المنزلة عليهم بالقول أو بما هو أدل منه وهو الاستكبار عن اتباعها ، أو الاستهزاء بها ، أو تفضيل غيرها عليها بالعمل - ( أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ) في الكتاب وجهان ( أحدهما ) أنه كتاب الوحي الذي انزل على الرسل ( واللام للجنس ) وهو ظاهر قول مجاهد في تفسير نصيبهم منه : « ما وعدوا فيه من خير وشر » فان الكتاب الإلهي هو الذي يتضمن الوعد على الاعمال أي والوعيد بدليل بيانه بالخير والشر . وهو عام يشمل جزاء الدنيا والآخرة ( وثانيهما ) أنه كتاب المقادير الذي كتب اللّه فيه نظام العالم كله ومنها أعمال الاحياء الاختيارية وما يبعث عليها من الأسباب وما يترتب عليها من المسببات كالسعادة والشقاء والصحة والمرض الخ ، وقد تقدم الكلام المفصل فيه في تفسير ( 6 : 59 وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) من تفسير سورة الأنعام « 1 » وعليه ابن عباس إذ قال في تفسير النصيب من الآية : ما قدر لهم من خير وشر . وفي رواية أخرى عنه : ما كتب عليهم من الشقاء والسعادة وفسر محمد بن كعب الظي النصيب بالرزق والاجل والعمل وروي أيضا عن الربيع بن انس وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم ، وفسره أبو صالح والحسن بالعذاب . ولا خلاف بين الوجهين فما وعدوا به في كتاب الدين هو الذي أثبت في كتاب المقادير ، وإنما الخلاف في نفس النصيب الذي ينالهم هل هو خاص بالدنيا أم بالآخرة أم عام فيهما ؟ ورجح الأول بموافقته لمثل قوله ( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) وقوله ( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ) وبموافقته لما تدل عليه حتى من الغاية في قوله عز وجل ،

--> ( 1 ) ص 469 ج 7